لاشك في أن المنظومة التربوية تعاني من تحديات مختلفة أثرت على تعلم الطلبة، وقد أتت تلك التحديات أولا من الثورة المعرفية والتكنولوجية الحديثة، ولعل من أهمها ثورة الذكاء الاصطناعي، وثانيا الظروف والأزمات المناخية والصحية التي تعصف بالعالم بين فترة واخرى. إن تأثير هذه التحديات له جوانب اجتماعية ونفسية خطيرة على الطالب منها العزلة الاجتماعية وعدم فهم الآخر والتعاطف معه، وعدم احترام التنوع وغيرها. أما من حيث الجوانب النفسية فتتمثل في اهتزاز ثقة الطالب بنفسه، وظهور سلوكيات التنمر بين الطلبة، وشيوع الاكتئاب وغيرها.
إن هذه التحديات وتأثيراتها على الطالب، لابد من مواجهتها والتعامل معها من خلال منظومة تعليمية لديها القدرة والفاعلية على ذلك، عن طريق اكساب القيادة المدرسية، والمعلم والأخصائي وكل من يتعامل أو له علاقة بالطالب بالاستراتيجيات المناسبة. كما لا ننسى دور الأسرة في ذلك، فهي الدعائم الأول للطالب، وهي من تعمل مع المدرسة جنبا إلى جنب من أجل تمكين هذا الطالب لتحقيق الانجازات الأكاديمية والاجتماعية المختلفة.
يتكون الكتاب الحالي من ستة فصول، بدأنا في الفصل الأول بالحديث عن الازمات والكوارث كونها الطريق إلى تقديم التعلم الاجتماعي والعاطفي، أما الفصلين الثاني والثالث فتحدثا عن التعلم الاجتماعي والعاطفي من المنظور النظري وما كتب في الأدبيات المختلفة، وهنا يقدم المؤلفون خلفية نظرية مناسبة للقارئ أو الممارس لفهم المقصود بالتعلم
الاجتماعي والعاطفي وماهي خصائصه وأبعاده والتجارب المختلفة التي عززته، وأدوار المؤسسات التربوية والممارسين بجميع فئاتهم في تعزيـز التعلـم الاجتماعـي والعاطفـي. وننصح هنا القارئ أو الممارس أن يطلع بشكل معمق على هذين الفصلين قبل الاطلاع على الاستراتيجيات والتطبيقات العملية الموجودة في الفصول من الرابع إلى السادس.
وفي الفصــول من الرابــع إلى الســادس نجـد التعمـق في التطبيقـات المختلفـة والاستراتيجيات المتنوعة التي تعزز اكساب الطلبة لمهارات التعلم الاجتماعي والعاطفي، مركزة على خمس مهارات هي: التعاطف، وإدارة الذات، والنزاهة، والتسامح وقبول التنوع، والمثابرة. ففي الفصل الرابع تم التركيز على الاستراتيجيات التي يمكن للمعلم وحتى الاخصائي الاجتماعي أو النفسي تطبيقها داخل غرفة الصف الدراسي. أما في الفصل الخامس فتم التركيز على الاستراتيجيات والتطبيقات على مستوى المدرسة، وهنا يأتي دور القيادة المدرسية على حسن تطبيقها بحيث تشمل كل أفراد المدرسة ومنهم الطلبة أيضا. وفي الفصل الأخير، وهو الفصل السادس، تم إبراز استراتيجيات وتطبيقات يمكن للأسرة استخدامها مع أبنائها لتعزيز مهارات التعلم الاجتماعي والعاطفي.
إن موضوعات هذا الكتاب متنوعة ومتميزة، وتلامس احتياجات الممارسين وأولياء الأمور، وإننا على قناعة أن ما وضع في هذا الكتاب يلبي احتياجات البيئة المدرسة العربية في موضوع التعلم الاجتماعي والعاطفي، كونه قد جمع بين النظرية والتطبيق، لذا نأمل حسن الاستفادة مما قدم في الكتاب من معارف وتطبيقات، كما نتمنى أن نكون قد وفقنا في تقديم كتاب ثري مفيد وفعال للمنظومة التعليمية وولي الأمر، وكافة المربين في عالمنا العربي الساعين إلى التحسين والتطوير في ممارستهم التعليمية والارشادية.